حبيب الله الهاشمي الخوئي
89
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة
رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم بنى عبد المطلب في دار أبى طالب وهم أربعون رجلا يومئذ يزيدون رجلا أو ينقصون رجلا فيما ذكره الرّواة . وأمر صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم أن يصنع لهم طعاما فخذ شاة مع مدّ من برّ ويعدّ لهم صاع من اللَّبن ، وقد كان الرّجل منهم معروفا بأكل الجذعة - وهو من الضّأن ما له سنة كاملة - في مقام واحد ، ويشرب الفرق ( 1 ) من الشراب في ذلك المقعد . فأراد عليه وآله السلام باعداد قليل الطعام والشراب لجماعتهم إظهار الآية لهم في شبعهم وريّهم مما كان لا يشبع واحدا منهم ولا يرويه ثمّ أمر بتقديمه لهم ، فأكلت الجماعة كلَّها من ذلك اليسير حتى تملوا منه ولم يبن ما أكلوه منه وشربوه فيه فبهرهم ( 2 ) بذلك وبيّن لهم آية نبوّته وعلامة صدقه ببرهان اللَّه تعالى فيه . ثمّ قال لهم بعد أن شبعوا من الطعام ورووا من الشراب : يا بنى عبد المطلب إنّ اللَّه بعثني إلى الخلق كافّة وبعثني إليكم خاصّة فقال * ( وأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ ) * وأنا أدعوكم إلى كلمتين خفيفتين على اللَّسان ثقيلتين في الميزان تملكون بهما العرب والعجم وتنقاد لكم بهما الأمم وتدخلون بهما الجنّة وتنجون بهما من النّار : شهادة أن لا إله إلَّا اللَّه ، وأنّى رسول اللَّه ، فمن يجيبني إلى هذا الأمر ويوازرني عليه وعلى القيام به يكون أخي ووصيّى ووزيري وخليفتي من بعدى . فلم يجبه أحد منهم ، فقال أمير المؤمنين عليه الصّلاة والسّلام فقمت بين يديه من بينهم وأنا إذ ذاك أصغرهم سنا وأحمشهم ( 3 ) ساقا وأرمصهم عينا فقلت : أنا يا رسول اللَّه اوازرك على هذا الأمر ، فقال صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : اجلس . ثمّ أعاد صلَّى اللَّه عليه وآله القول على القوم ثانية فاصمتوا ، فقمت أنا وقلت مثل مقالتي الأولى ، فقال صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : اجلس .
--> ( 1 ) - كيل معروف بالمدينة وهو ستّة عشر رطلا وقد يحرّك صحاح م ( 2 ) - أي غلبهم م ( 3 ) - حمش الرجل حمشا صار دقيق الساقين فهو أحمش ، والرمص البياض الذي يجتمع في روايا العين يقال رجل أرمص وهو كناية عن صغر العين ، منه